أبي حيان التوحيدي
133
المقابسات
يفرد كل أحد بما هو لائق به : وبما هو ناهض فيه ، فيولى مثلا بيت المال خازنا مليئا ، كافيا شهما ، يفرق على يده ، ويجمع على يده ، ثم إن هذا الملك قد يضع في هذه الخزانة شيئا لا علم للخازن به ، وقد يخرج منها شيئا لا يقف الخازن عليه ، ويكون هذا منه دليلا على ملكه واستبداده ، وعلى تصرفه وقدرته . إلى هاهنا كان كلام الحراني ، ومثله هذا وإن كان نظيرا للمثل الأول فإنه شاهد له ، وجار معه وقيل أيضا في عرض [ الكلام ] الذي كان بين أولئك المشايخ ما هو زجر عن تعاطى هذا العلم ، ومانع عن التحقيق بباب الحكم : لما كان عالم النجوم ، وصاحب الشغف بالاحكام ، يريد أن يقف على أحداث الزمان في مستقبل الوقت ، من خير وشر ، وخصب وجدب ، وسعادة ونحس ، وولاية وعزل ، ومقام وسفر ، وغم وفرح ، وفقر ويسار ، ومحبة وبغض ، وجدة وعدم ، وعافية وسقم ، وألفة وشتات ، وكساد ونفاق ، وإصابة وإخفاق ، وراحة ومشقة ، وقسوة ورقة ، وتيسير وتعسير ، وتمام وانقطاع ، والتئام وانصداع ، وافتراق واجتماع ، واتصال وانبتات ، وحياة وممات ، وهو إنسان ناقص في الأصل ، زائد في الفرع ، وزيادته في الفرع لا ترفع نقصانه في الأصل ، لان نقصانه بالطبع ، وكماله بالعرض ، وهو بهذه الحال المخطوطة بالسنخ ، المزوقة بالطين ، قد بارى باريه ، وجارى مجريه ، ونازع ربه ، وتتبع غيبه ، وتوغل علمه ، وتخلل حكمه ، وعارض مالكه ، حرمه اللّه فائدة هذا العلم ، وقصر قوته عن الانتفاع به ، والاستثمار من شجرته ، وأضافه إلى من لا يحيط بشيء منه ، ولا تجلى بشيء في باب القسر والقهر ، وجعل غاية سعيه فيه الخيبة ، ونهاية علمه منه الحيرة ، وسلط عليه في صناعته الظن والحدس ، والحيلة والزرق ، والكذب والختل